صحيفة الوقت البحرينية
» النشرة الإلكترونية
سجل معنا كي تصلك أحدث الأخبار :
الاسم الكامل :
البريد الإلكتروني :
» حالة الطقس
جزئيا غائم جزئيا غائم. 32 °C
» أوقات الصلاة
الفجر 3:35
الشروق 5:02
الظهر 11:45
العصر 3:14
المغرب 6:26
العشاء 7:56
» بروفايل
خط عادي الحجم خط متوسط الحجم خط كبير الحجم ارسل الصفحة لصديق حفظ المقال صفحة للطباعة اضف تعليقاً
المَشــِيُ إلى المنامة..
العــين التــي تمشــي إلـى المشهــد المقصــود
العــين التــي تمشــي إلـى المشهــد المقصــود
الوقت - حسين المحروس:
المَشيُ كشفٌ. خُلق الإنسان ليمشي وليمشي أيضا! ليس أفضل من المَشي لكشف الطريق. لا تمتلئ عينان بالصور لا يمشي صاحبها، ومصوّر لا يمشي لا يعوّل عليه. قدمان تواقتان للمعرفة، تقيمان علاقة معقدة مع العينين، حتى يشعر المرء أحيانا أنهما يتبادلان الأمكنة. تصبح القدم قادرة على الرؤية، والعين هي التي تمشي إلى المشهد المقصود. أعني المنامة. أقصد قلبها. وبالتحديد أكثر المكان الذي تمشي فيه مواكب العزاء الحسينية في شهري محرم وصفر من كلّ عام. هذه المنامة قبل أن تتسع، ويتسع المشي فيها.
المشي إلى المنامة في القلب من شارع أبو العلاء الحضرمي القريب من باب البحرين. شارع مظلم في الأربعينيات يضاء بمجموعة من مصابيح الزيت ''فنر''. طريق يربط أماكن عدّة، يوصل بينها وبين ميناء المنامة ''الفرضة''. هذه المنطقة مختلطة: مسلمون شيعة وسنة، يهود، مسيحيون، بونيان، سيخ، وديانات أخرى تتشابه كلّها في البحث عن السلام. بيوت مفتوحة على بيوت ولا تقسيمات: بيت بن رضي، بيت كمال، بيت الجشي، بيت العريض، بيت الزين، بيت القصيبي، بيت الصفار، بيت العلوي، وبيت بشمي الذي لا يبعد عن المنامة -درب مواكب العزاء- غير 400 قدم. المسافة ليست طويلة إلا إذا قيست بحركة العين بالملليمتر الواحد.
من بيت بن رضي تخرج ''فاطمة'' تمشي إلى بيت بشمي. تعتني وتربي طفل العائلة الصغير ''إبراهيم'' حتى استقر بها الحال في هذا البيت. فلما كبر إبراهيم صار يمشي إلى المنامة مع أصدقائه من البيوت الأخرى. يقول بشمي'' كنّا أطفالاً ينالون الحرية في الليالي العشر الأولى من شهر محرم. لا أحد يسألك أين كنت؟ ولا لماذا تأخرت؟ ولا الجهة التي مشيت إليها؟ ولا عن رفقتك من الأصدقاء. نلبس الثياب السوداء، نشارك أقراننا فيما هم فيه ثم نمشي إلى المنامة، إلى مواكب عزاء يشارك فيها الجميع، ليست محصورة في أحد''.
بروفايل: كيف كان المشي إلى المنامة؟ مشيك إليها؟ مشي مواكب العزاء فيها؟
- نعم.. لا أزال أتذكر مجموعة من الشباب يتفقون فيمشون إلى المنامة. أمرّ على بعضهم فلا أحتاج أحياناً لطرق الباب فالبيوت مفتوحة على بعضها البعض. نمشي برفقة ورفق إلى المنامة. كنت أفعل ذلك أيضا عند ذهابي إلى المدرسة صباحا. كيف كنا نتحرك ونقصد المنامة؟ أذكر كل ذلك. نمشي من مأتم العريض. .مرورا على شارع الشيخ عبدالله. .وصولا إلى مأتم مدن. .وبن سلوم. .ونقفل مرة أخرى عائدين إلى مدرسة فاطمة الزهراء. .هذا هو مسار مشي مواكب العزاء بالمنامة.
هنا أصبحت فعاليات مواكب العزاء ظاهرة مترسخة يشارك فيها الجميع. ليست حصرا على طائفة..نعم هم يقومون بها. .ولكن الذين يحضرون عبارة عن خليط متعاطف. ألفة بين الكلّ. .لا يشعر المتفرج أو المعزي أن هناك حاجزًا بين الطرفيين. علاقات إنسانية أكثر من ممتازة.. كان العزاء يمثل -في تلك الفترة- بساطة أهل البحرين. .حدود الوعي عند البحرينيين. .حدود التعاطف مع العزاء. فمأتم الأخوة الإحسائيين يختلف تمامًا عن المآتم الأخرى في شكل موكبه..جميعهم بملابسهم. .يضربون صدورهم. ويرددون القصائد الحسينية في فرقتين متجاورتين تتجاوبان وترد كل واحدة منهما على الأخرى بشعر متفق عليه ومحفوظ.. تشعر بأنهم يختلفون عن المآتم الأخرى. مأتم ''رأس رمان'' يتميز بشيلاته ''قصائده'' المسيّسة. وباقي المآتم كانت تؤدي العزاء بتقاليده وطقوسه البحرينية. .أحيانا تكون هناك غيرة من مواكب عزاء الأخوة العجم لأن لديهم فرقة موسيقية لها ألحانها الحزينة.
كانت قضية التطبير، المعروفة باسم الحيدر -قبل دخول كثير من التنظيرات والآراء الفقهية - متروكة لكل مأتم. .ولم تأخذ الحدّة بين المحرمين والمحللين كما هو الحال الآن. فهي طقوس تعبر عن سماحة أهل البحرين. وتعبيرهم في حدود وعيهم آنذاك. قبل أن يتحول العزاء كما هو الحال إلى صبغة سياسية، وأحياناً يأخذ صبغات أكبر من التسييس نفسه. لقد فقد العزاء الكثير من العفوية الجميلة، والكثير من ذلك التعاطف الجميل من الآخرين. لا أعرف. ربّما صار العزاء صناعة الآن؟ هذا سؤال مشروع. هناك الكثير من الأمور تحولت الآن إلى صناعة. .أكثر من كونها براءة وعفوية وتعبر عن إحساس الناس الذين كانوا دائما يعبرون عن أحاسيسهم بعفوية طبيعية ثمة فرق كبير بين صناعة الشيء وبين عفويته وطبعيته. هذا أمر مهم جداً يجب أن نلتفت إليه، وأن نُعيده مرة أخرى إلى عفويته وقدرته على التأثير في الناس جميعاً لا في جهة واحدة فقط.
بروفايل: المشي يكشف طقوس الشارع. ومن الطقوس التي مازالت حاضرة وربّما بكثافة الآن وضع اللافتات الخاصة بهذه المناسبة. كيف كانت اللافتات آنذاك؟
- كانت اللافتات محدودة جداً. قليلة. في تلك الفترة لم تكن هناك شخصيات سياسية مذهبية، على رغم وجود مرجعيات فقهية مشهورة. .ولكن هذه المرجعيات كانت عقائدية وليست سياسية، فلا نرى صورهم في الشوارع ولا على اللافتات ولا في داخل المآتم. الصورة تري الآخر أين يضع نفسه، وتعرفه أين هو، وربّما ماذا عليه أن يفعل. في تلك الفترة كان الجميع يشعر أن هذا العزاء عزاؤه. . الآن تسيست الأشياء، صارت قضايا أخرى تدخل. اختلف الوضع. وهذا ما تسبب في طرح الكثير من القضايا المجتمعية منها قضية الولاء، والعلاقة بالخارج، وغيرها. لم تعد اللافتات هي اللافتات. لكنك عندما تمشي الآن إلى المنامة قد تجد بعض تلك اللافتات من الزمن الجميل.
كان حدود اللافتات في المنامة كالتالي : شارع الشيخ عبدالله. .قرب مأتم بن رجب. . بالقرب من مأتم العريض. .الناس تقف للتفرج على العزاء بالقرب من مأتم العريض. .وبالتالي قبله لا يوجد شيء. .فتبتدئ اللافتات من هنا. .بما فيه مأتم الصفار. .مرورا بمنزل »يتيم« ومدرسة فاطمة الزهراء. .نزولا بمأتم القصاب..مأتم المديفع. .ثم مأتم العجم. .ومأتم بن سلوم. .اللافتات كانت توضع على خطّ سير مواكب العزاء. .وكان معظمها لا يخرج عن إطار المناسبة، ولم تكن مسيسة حتى باختيار بعض العبارات التي تلقي بظلالها على شيء آخر. كانت تخلو من أي تسيسس. الناس يرون تلك الأيام العشرة احتفالية يشارك فيها الجميع. .سواء الذين يمارسون طقوسها ، أم الذين يحضرون للمشاركة الوجدانية بالفرجة. .بالتعاطف.
كانت اللافتات تظل في الشوارع بعد انتهاء مواكب العزاء بأسبوع تقريباً. .عشرة أيام. .لا تزيد عن الشهر ثم تتمّ إزالتها. اللافتة كانت موضوعة في موضع الاحتفالية فقط.
وكما يمشي الناس للمواكب يمشون أيضا من أجل حضور بعض المآتم والاستماع للخطباء الذين ساهموا في جذب مختلف الناس وجعلهم يمشون إلى المنامة. الخطباء الذين كانوا يملكون وعيا دينيا وسياسيا متقدّما مثل الشيخ أحمد الوائلي -رحمه الله- الذي كان حضوره وأطروحاته تاريخية وسياسية غير بغيضة. تقرب الناس ولا تفرقهم. كان يخاطب الجميع بمستويات فهمهم. لم يكن يخاطب شيعة أو سنة، بقدر ما يخاطب أحداث المنطقة العربية. .الحدث القومي الذي كان يُلقي بهمّه في تلك الفترة. وفي نهاية مجلسه يدخل في الفصل الخاص بواقعة كربلاء. ولكن الحديث في مجمله كان يصب في قضايا التوعية السياسية العامة التي تهم كل شخص مهما كان مذهبه.
بروفايل: كأنّ المشي إلى المنامة يكشف عن الأصدقاء أيضا؟!
كان العزاء ملتقىً لكل الأشخاص الذين لا نراهم، من المحرق، من الحد، من جدحفص، من الدراز، من الرفاع. .إلخ. .المهم أنك سترى الكلّ موجودا. . مجرد إلقاء التحية والسلام. .فلا تدور أحاديث ونقاشات. .فطبيعة المناسبة تلزمك بالإصغاء للخطيب في المأتم فلا مجال للمناقشات. .والمناقشات والأحاديث التي تدور في تلك الفترة بسيطة مجرد تعليقات، ولا تأخذ شكل منـاقشـات. تــرى شخصيــات مختلفــة مــن جميع مناطق البحرين في هذه الليالي..كانت ليالي تجمــع كل هذه الأطراف. .فكان الناس يأتون ويشاركون بحضورهم. ولن تسمع الناس تتنابز بألقاب المذاهب، ولا نعوتها المختلفة. ليس في فترة العزاء فقط بل في الحياة كلّها. لم يحدث قط أن شعرنا بهذا الاختلاف بين المذاهب. أحيانا تأتي للطرفة لكنها لا تحمل هذه الخلفيات الخطيرة الآن.
بروفايل: هل هي مسألة وعي بهذه الاختلافات، أم أنّها مسألة تعايش؟ ناس وجدوا في مكان وعليهم عدم الاختلاف من أجل العيش؟
لا هي ليست مسألة وعي، المسألة أنك وُلدت في ذلك الوسط. .أنت عندما تُولد وترى نخلة في منزلكم. .هل تقول ما هو الوعي بالنخلة ؟ لا. أنت ولدت ورأيت تلك النخلة. .فنحن قد ولدنا في تلك الأجواء. كان للمدرسة دور أيضا فلم نكن نسمع بأسماء الطوائف والمذاهب. كنت أذهب مشيا من بيتنا، أمر على حيّ ''الحمّام'' ثمّ حيّ '' المخارقة'' أصطحب معي رفاقي في الطريق إلى المدرسة. .نخرج من المدرسة ونطوف بمدرسة الزهراء. .هناك البائع صاحب ''العشّة''. .أبي كان ينتدبني لشراء الخبز ''كماج'' من أحد المخابز التقليدية. .عندما أذهب لأم عاشور مقابل مأتم حجي عباس. .لأشتري ''آجار'' للغداء..عندما تذهب للسوق ترى ''عيسى الشتر'' وبجانبه العرادي.. والحواج .. والخصبة.. والتحو.. والشيخ. . والشكر. .. بوكنان. .لا تجد بينهم أحد يختلف عن الآخر. .من دون وعي تتربى وتعيش من خلالها. .حتى فترة عزاء عاشوراء لا نراها شيئا غريبا علينا. .فتجدها تربية ، ومعايشة. لا غربة فيها. فهناك من أبناء السنة من يذهب للعزاء. .وهناك من يدخل المآتم مثل مأتم بن رجب، أو مأتم مدن وذلك ليس وقفا على منطقتنا. تشعر أنك في جو فيه الروح المتسامحة العالية..فلا يكون منك ذلك الشيء بوعي أو بشكل مقصود ومتعمّد. .فهذا الجو الذي أنت تربيت فيه بشكل طبيعي.
بروفايل: ربّما لم يكن الدين غريباً في تلك الفترة، له القدرة على الدخول في تفاصيل الحياة من دون ثقل؟
لم يكن الدين في تلك الفترة مرادفا للتعصب الذي نراه الآن. .الدين يعني التسامح. .فمثلا ''فريجنا'' كان يضم طائفة ''البونيان'' من الهنود فلا ينظر إليهم أحد منا نظرة دونية. .متعايشين معهم. .نرسل لهم في عيدنا. ويرسلون لنا في عيدهم فلا نحرم الأكل من بعضنا البعض. جماعات ''الدوبية'' الذين هم من الهنود وكانوا دائمي قرع الطبول والغناء ليلا..فلم يمنعهم أحد. كان معبد الهندوس في وسط الحيّ، ولم يعتدِ عليه أحد. وكل ما نفعله نحن الأطفال هو صيد الحمام في الوقت الذي يكرهون بطبيعتهم صيد الحمام فيمنعوننا من فعل ذلك. هنا يحضر الإنسان أكثر من أيّ شيء آخر.
بروفايل: يُقال إن الجانب الاقتصادي كان له دور في عدم ظهور تلك القضايا.. الناس منشغلون باقتصاد قوتهم اليومي؛ وبالتالي لا يلتفتون للمسائل الدينية..في حين عندما يبدأ الجانب الاقتصادي في التحسن، تبدأ تلك المسائل في الظهور. .
على العكس. .في تلك الفترة كانت فترة فقر في البحرين. .ولا يكاد الشخص يستر نفسه، التاجر بالكاد يستطيع إعالة أسرته. .أعتقد أن الجو الذي عشنا فيه في الخمسينات هو جو أفرز لنا أمرا يجمع عليه البحرينيون كلهم هو تيار القومية العربية. هذا التيار كان يوّحد ولا يقسّم. .الكثير من العوائل من المذهبين ناصريين. كان التيار العربي هو الموجود في الساحة. الروح الموجودة المدرسة كلها روح »قومية« عندما يقودها » حسن الجشي« الذي هو مدير المدرسة. هذه كلها ساهمت مساهمة كبيرة في توحيد المنظور الوطني الموجود لدى الناس.
بروفايل: نعود مرة أخرى إلى الاقتصاد. هم منشغلون بالاقتصاد. .بقوتهم اليومي عن الدين نفسه. الفقر يجلب الكفر. أقصد في كثير من الأحيان تكون الحاجة الاقتصادية عائقا من الاهتمام بالدين وقضاياه.. ربّما كان لهذا دور كبير في اختفاء التعصب الديني والتنابز بنعوت المذاهب.
لا أتفق معك، فشخص مثل ''بن لادن'' مليونير. لم يلهه كونه مليونيرا أن يكون لديه فكر أيديولوجي معين. .كثير من اليسارين في أوروبا من الأغنياء. الآن لا أعتقد أنها مسألة الفقر كافر أو الغنى شاغل. .أعتقد أنه في سياق العصر أصبح هناك نوع من اللجوء إلى التكتلات المذهبية وتنظيرها. إذا كنت سأستخدم مصطلحات حزبية.. فعندما كان الفكر الاشتراكي الطوباوي واليساري. .كانوا يؤمنون به. لكن عندما أتى » لينين« وحوّله إلى حزب. .والحزب إلى لجنة مركزية. واللجنة المركزية إلى أمين عام للجنة المركزية. صار الفكر شيئاً. نحن الآن أصبح لدينا على المستوى الإقليمي تشيّء للفكر المذهبي والإسلامي والطائفي ،وأصبحت هناك تقسيمات. أنا أسميه هنا ''الوعي الزائف'' الوعي غير الحقيقي عندما تريد أن تكتل مجموعة ضد مجموعة أخرى بإعطاء التميّز، لكن على طريقة أن هناك 70 فرقة. . وواحدة من تلك الفرق ناجية وهي فوق الكل. .ينظّر بأنه هو الناجي. .والباقي كلهم مصيرهم إلى النار. السماحة الموجودة بين أمهاتنا وآبائنا. بين مجتمعنا. الكل كانت لديه السماحة، والإحساس بأننا جميعا في النهاية بشر، نتعامل مع الإنجليز. .نتعامل مع الهنود. .نتعامل مع العجم. .حتى الفقراء العجم ''المزورية'' في تلك الفترة لم يحتقرهم أحد.. أيضا بالنسبة لأهل عُمان. .فالبحرين تربت منذ بداية القرن حتى الآن ضمن هذا التسامح حتى طريقة استقبالك للمبشرين والسماحة التي تستقبلهم بها. . أعطيك مثالا بسيطا. .في ''فريجنا'' شارع أبو العلاء الحضرمي عندما افتتحوا المكتبة التبشيرية التابعة للمستشفى والموجودة إلى الآن. .جاء المثقفون الذين كان من ضمنهم ''مقبل الذكير'' وأحمد محمد حسن ومجموعة أخرى وافتتحوا مكتبة مقابل تلك المكتبة. .فلم يطردوهم. .ولم يتعرضوا لهم بالإيذاء. تدلك ذلك على نوع من السماحة التي كانت موجودة. .أيضا كانت الجالية اليهودية موجودة في تلك المنطقة، والكثير من العوائل قامت بحمايتهم في تلك الفترة، والذي أخل بالميزان هو ميزان خارجي. هذه الروح شكلت روح السماحة التي كانت موجودة.
بروفايل: هل الأمر يتعلق بسبب كمي؟ أقصد بعدد الزعامات الدينية مقارنة بين الآن وتلك الفترة. .فبعض المناطق كان يندر وجود رجال الدين فيها.. فعلى سبيل المثال قرية كرانة لم يكن فيها رجل دين واحد في فترة الأربعينات والخمسينات. .فهل ذلك له دور؟
نعود لتلك الفترة، بالنسبة لعدد البحرينيين، لا أحد منهم يقول أنا أكثر وأنت أقل. .لم تطرح تلك القضية نهائيا. .لم تثرْ تلك القضية إلا مع بداية انتخابات المجلس الأول عام .1973 .والذين أثاروها سابقا ربما لا زالوا حتى الآن يثيرونها. . لم يكن دور رجل الدين مسيّسا..ربما كان له دورا اجتماعيا إصلاحيا. .ولكن الدور المسيس بمعنى أن تكون له الزعامة ولديه برنامج سياسي ديني فلم يكن موجودا. .كان الشارع السياسي شارع وطني وربما شخص واحد وهو السيد علي كمال الدين كرجل دين كان ضمن التيار الوطني. فلم يكن يمثل طائفة أو مذهبا معينا..كانت أطروحاته أطروحات وطنية. .فلم يكن لدينا وجود لأي تيار مُسيّس ديني كما هو موجود الآن. .
بروفايل: إذن المسألة ليست مسألة قلة أو كثرة رجال الدين بقدر ما هي شكل وطبيعة رجل الدين في المرحلة الموجود فيها ؟
نعم. . لذلك لم ينعكس ذلك. .أتذكر أول تسييس للعزاء. .الذين سيسوها هم القوميون واليساريون. .ومأتم واحد هو '' مأتم رأس رمان'' معروف بأن شيلاتهم ( مسيسة ) تعطي أصداء غير أصداء الشعائر الحسينية. .وكان ذلك في فترة الستينات..فالناس تنتظر شيلات رأس رمان لأنها مختلفة عن كل الشيلات. فكانت في كل مناسبة وكل سنة تخرج بشيلة سياسية. .البقية كانت شعائرهم حسينية ربما التسييس أيضا كان موجودا من خلال (مأتم العجم )فترة حكم الشاه فترة صراع 1967 عن موقف إيران والبحرين كان ينعكس على الركضة العسكرية. .كانت الموسيقا العسكرية موجودة في العزاء..هذه كانت مظاهر لن نقول بأنها مسيسة كالشيلة ولكن فيها إحساس مسيس. .حتى المآتم الثانية كانت دائمة التصادم مع مأتم العجم. .على أساس أنهم عرب. .وهؤلاء عجم..لذلك نجد بأن مأتم العجم يؤدي شعائره في وقت متأخر لتفادي الاشتباك مع المآتم الأخرى.
بروفايل: وسائل الإعلام لم تكن موجودة بالقدر الموجود الآن لبث تلك المسائل.. ربما موجودة بشكل قليل... لكن تقليدية وسائل الإعلام تعتمد على الشخص وليس على مسائل تكنولوجية. ألم يؤدي ذلك إلى ضعف وجود الاختلاف الظاهر بين المذاهب؟
في تلك الفترة وسيلة الإعلام الوحيدة هي الوسيلة الشفوية. . وبالتالي لا توجد صحافة يومية ولا إعلام. .ولا تلفزيون. .ولا إنترنت. .ولا وكالة أنباء. .فالعملية محصورة في تقديري. لكني أعود إلى مسألة العفوية والعلاقات المبنية على أساس إنساني منع كلّ ذلك. هل تعرف لقد نذرتني أمي أن أوضع على خيل الإمام الحسين يوم العاشر من المحرم!
بروفايل: وماذا كان نذرها؟
- بصراحة لا أعرف لكنني أستطيع أن أسألها عن ذلك.

 التعليقات

لا توجد تعليقات … اضف تعليقاً

كتاب الوقت عرض جميع كتاب الوقت

» استطلاع الرأي